محمود ماضي
33
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
ذاتها . وليس المنهج التاريخي مقتصرا على دراسة علم التاريخ فحسب ، بل له استخداماته في مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . والمنهج التاريخي ليس منهجا وصفيا وحسب أو لا يقف عند مجرد الوصف ، وإنما يدرس ظاهرة ما كالظاهرة السياسية ويحللها ويفسرها على أسس منهجية علمية دقيقة ، بقصد التواصل إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر . من المعروف أن البيئة الثقافية الغربية تنسب الأفكار والمذاهب إلى قائليها ، كالديكارتية إلى ديكارت ، والكانطية إلى كانط ، والهجلية إلى هيجل ، والماركسية إلى ماركس ، حتى انعكس ذلك أيضا على الدين فالمسيحية تنسب إلى المسيح . ظن المستشرق أن كل حضارة لا بد وقد نشأت بالضرورة على نمط الحضارة الغربية ، فيصنفون مفكري الإسلام كالغزالى ، والأشعري ، وابن تيمية باعتبارهم أصحاب مدارس تماما كما يفعلون في بيئتهم الغربية ، فيشيرون إلى الغزالية والأشعرية و . . . وكما نسبوا الدين إلى المسيح ، يقولون : المحمدية أو المذهب المحمدي ، وعندما يتكلمون عن محمد - « صلّى اللّه عليه وسلّم » يقولون : إنه كان تاجرا كبيرا وناجحا « 1 » ، وعندما يتناولون دعوته يقولون : إنها جاءت للانقضاض على الأرستقراطية القرشية . والمستشرق - في ضوء المنهج التاريخي - عندما ينسب الأفكار إلى الذين صاغوها يهدف من وراء ذلك إلى القول : بأن هذه الأفكار وهذه العلوم نشأت أساسا من هؤلاء الأشخاص . بينما في الإسلام : المفكر المسلم عارض ومحلل ومفسر لتيارات فكرية تتخلله ، فهناك علوم عامة تنشأ من الوحي وتحولت إلى حضارة . المقصود أن واقع المؤلف وفكره يلزمانه اللجوء إلى النصوص الموحى بها خشية أن يستبدل الناس الحضارة بالوحي ، وترك الأصول وأخذ الفروع . أما في الغرب - فكما قلنا - فينسب الفكر إلى قائله « وقد يكون هدف المستشرق من نسبة الفكر إلى القائل به هو إثبات جدب الحضارة ، وصمت الوحي ، وأنه لولا الفيلسوف أو العالم لما ظهر الفكر ، فالإنسان هو خالق الفكر وليس الوحي هو مصدر الفكر ، فإذا كان هؤلاء المفكرين والعلماء معظمهم غير عرب وإن كانوا مسلمين ، فإن المستشرق بذلك يكون قد حقق هدفه من إثبات نظرته القومية على الحضارة الإسلامية وإرجاع الإبداع إلى الخصائص القومية للحضارة وحتى لا تكون هي الحضارة العربية » « 2 » .
--> ( 1 ) - واط : محمد في مكة . ( 2 ) - د . حسن حنفي : السابق ص 90 - 91